تمثل الشراكة بين القطاعين العام والخاص إطاراً تعاقدياً خاصاً يسمح بإنجاز مشاريع عمومية أو تجهيزات أو مرافق ذات منفعة عامة بمساهمة شريك خاص، مع تحديد الالتزامات والتمويل والرقابة وتوزيع المخاطر. ويخضع هذا الصنف من العقود في تونس إلى قواعد دقيقة، خاصة القانون عدد 2015-49 المؤرخ في 27-11-2015 المتعلق بعقود الشراكة، كما تم تنقيحه بمقتضى القانون عدد 2019-47، بما يجعل التحضير القانوني والمالي والمؤسساتي مرحلة أساسية قبل إبرام العقد.
الإطار القانوني لعقود الشراكة وتمييزها عن اللزمة
تستند الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تونس إلى نظام قانوني يختلف عن الصفقات العمومية وعن عقود اللزمة أو الامتياز. فالقانون عدد 2015-49 يحدد مفهوم العقد، الشخص العمومي، الشريك الخاص، شركة المشروع، مدة العقد، مبادئ المنافسة، التمويل، الضمانات، الرقابة وآليات الإنهاء. ولا يكفي وجود طرف عمومي وطرف خاص حتى يكون العقد عقد شراكة، لأن التكييف القانوني يتوقف على طبيعة المشروع، طريقة التمويل، مدة الالتزام، ومسؤولية كل طرف.
تظهر أهمية الامتيازات والشراكات بين القطاعين العام والخاص عندما يرتبط المشروع بمنشآت أو خدمات تتطلب توازناً بين المصلحة العامة وجدوى الاستثمار الخاص. وتبقى الشراكة بين القطاعين العام والخاص مختلفة عن اللزمة، لأن اللزمة تخضع إلى القانون عدد 2008-23 المؤرخ في 01-04-2008 وإلى الأمر الحكومي عدد 2020-316 المؤرخ في 20-05-2020. لذلك يساعد التمييز بين هذه الآليات على اختيار المسار القانوني الملائم وتجنب الخلط بين العقود ذات الطبيعة المختلفة.
عناصر المقارنة بين عقد الشراكة وعقد اللزمة
| العنصر القانوني محل المقارنة | كيف يظهر في عقد الشراكة | كيف يظهر في عقد اللزمة | نقطة الحذر عند الصياغة |
| طبيعة العلاقة | تعاون طويل الأمد لإنجاز مشروع أو مرفق مع توزيع للمخاطر | استغلال مرفق أو منشأة وفق نظام اللزمة | تحديد الطبيعة القانونية الصحيحة للعقد |
| التمويل | قد يتحمل الشريك الخاص جانباً مهماً من التمويل | يرتبط غالباً بمداخيل الاستغلال حسب طبيعة اللزمة | ضبط مصدر التمويل وآليات الأداء |
| الرقابة | رقابة مستمرة على التنفيذ والأداء والمؤشرات | رقابة مرتبطة بشروط الاستغلال واحترام الالتزامات | تحديد التقارير والوثائق المطلوبة |
| المخاطر | توزع حسب العقد وطبيعة المشروع | يتحمل المستلزم جزءاً من مخاطر الاستغلال | صياغة دقيقة لتوزيع المخاطر |
| الإنهاء | يخضع لشروط مرتبطة بالمصلحة العامة والإخلال واستمرارية المرفق | يخضع لشروط اللزمة والالتزامات المرتبطة بالاستغلال | تنظيم آثار الفسخ والتعويضات المحتملة |
إعداد مشروع الشراكة قبل اختيار الشريك الخاص
يتطلب مشروع الشراكة بين القطاعين العام والخاص دراسة مسبقة تشمل الجوانب القانونية والمالية والفنية والاجتماعية والبيئية بحسب طبيعة المشروع. ويبرز الفصل 7 من القانون عدد 2015-49 أهمية هذه الدراسة قبل المرور إلى مرحلة الإسناد. ولا يقتصر التحضير على تقدير الكلفة، بل يشمل قابلية المشروع للتنفيذ، أثره على الميزانية، توزيع المخاطر، وضمان استمرارية المرفق العام.
ترتبط مشاريع الاستثمار في تونس بقراءة قانونية تجمع بين التراخيص، الهيكلة، التمويل، الالتزامات التعاقدية والمخاطر القطاعية. وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الشراكة بين القطاعين العام والخاص باعتبارها وسيلة تمويل فقط، بل كمنظومة عقدية تتطلب وضوحاً في مراحل الإعداد والإسناد والتنفيذ. كما يوضح الأمر الحكومي عدد 2016-772 المؤرخ في 20-06-2016 إجراءات الإعداد والإسناد، بما في ذلك الدراسة التقييمية، العروض التلقائية، التفاوض المباشر، واختيار المترشحين.
نقاط يجب فحصها قبل توقيع عقد الشراكة
قبل إبرام عقد الشراكة، من المفيد التحقق من عدة عناصر أساسية: طبيعة المشروع، السلطة المختصة، وجود الدراسة المسبقة، طريقة اختيار الشريك الخاص، وضوح المقابل المالي، قابلية المشروع للتمويل، شروط الضمانات، آليات الرقابة، وحالات إنهاء العقد. كما ينبغي مراجعة مدى ارتباط المشروع بنصوص قطاعية خاصة، خاصة في مجالات الطاقة، البنية التحتية، النقل، العقارات أو المرافق المحلية.
مقارنة عملية بين الصيغ التعاقدية
| ما يجب الانتباه إليه قانونياً | متى يمكن استعمالها | الصيغة القانونية المستخدمة |
| الشراكة بين القطاعين العام والخاص | مشاريع طويلة الأمد تشمل التمويل أو الإنجاز أو الصيانة أو الاستغلال | ضرورة ضبط توزيع المخاطر والمقابل المالي والرقابة |
| اللزمة أو الامتياز | استغلال مرفق أو منشأة وفق نظام قانوني خاص | عدم الخلط بينها وبين عقد الشراكة |
| الصفقة العمومية | اقتناء أشغال أو خدمات أو توريدات لفائدة شخص عمومي | لا تقوم عادة على نفس منطق التمويل طويل الأمد |
| عقد الاستثمار | مشروع خاص أو مختلط مرتبط بهيكلة استثمارية | ضرورة التحقق من التراخيص والالتزامات القطاعية |
المنافسة والشفافية في إسناد عقد الشراكة
يقوم إسناد الشراكة بين القطاعين العام والخاص على مبادئ المنافسة والشفافية والمساواة بين المترشحين. وتبرز الفصول 8 و10 و11 و13 من القانون عدد 2015-49 أهمية إجراءات الإسناد، سواء تعلق الأمر بالدعوة إلى المنافسة أو الحوار التنافسي أو الحالات الاستثنائية للتفاوض المباشر. ولا يتحقق احترام المنافسة بمجرد الإعلان عن طلب عروض، بل من خلال وضوح المعايير، حياد التقييم، حماية المعطيات السرية، وتبرير اختيار العرض الأنسب من الناحية الاقتصادية والفنية والقانونية.
ترتبط المنافسة في عقود الشراكة بين القطاعين بمبادئ الشفافية والمساواة بين المترشحين، خاصة عند تقييم العروض واختيار الشريك الخاص. ويمكن الاستئناس بالقانون عدد 2015-36 المتعلق بالمنافسة والأسعار عند تحليل المخاطر المرتبطة بالممارسات المنافية للمنافسة أو الإخلال بالمساواة بين المتنافسين. ومن ثم فإن الشراكة بين القطاعين العام والخاص تحتاج إلى وثائق إسناد محكمة تحدد الأداء المطلوب، المخاطر القابلة للنقل، آجال التنفيذ، وشروط الرقابة.
معلومة عملية: جودة الصياغة لا تقوم على ذكر النصوص القانونية فقط، بل على ربطها بواقع المشروع، هيكل التمويل، التزامات الشخص العمومي، قدرة شركة المشروع على التنفيذ، وآليات معالجة النزاعات.
أخطاء قانونية متكررة
من الأخطاء الشائعة التعامل مع الشراكة بين القطاعين العام والخاص باعتبارها مجرد وسيلة للحصول على تمويل خاص. وقد يظهر الخلل أيضاً عند إهمال الدراسة المسبقة، أو استعمال نموذج تعاقدي عام لا يراعي طبيعة المشروع، أو ترك بنود المخاطر والتمويل والرقابة بصياغة فضفاضة. كما يمكن أن يؤدي ضعف التمييز بين عقد الشراكة واللزمة والصفقة العمومية إلى صعوبات في الإسناد والتنفيذ وإنهاء العلاقة التعاقدية.
التمويل والضمانات في عقود الشراكة
يمثل التمويل محوراً حساساً في الشراكة بين القطاعين العام والخاص، لأن شركة المشروع قد تعتمد على تمويل بنكي أو موارد خاصة أو آليات أداء مرتبطة بالمقابل المالي. ويجب أن تكون بنود التمويل واضحة في ما يتعلق بطريقة الدفع، المراجعة، الضمانات، حقوق الدائنين، وحالات الإخلال. كما تطرح العقود طويلة الأمد مسائل مرتبطة بتغير الظروف، ارتفاع الكلفة، تأخر الإنجاز، أو تعديل نطاق المشروع.
يساعد تمويل عقود الشراكة على فهم العلاقة بين قابلية المشروع للتمويل، الضمانات البنكية، حقوق الممولين وآليات تعديل المقابل المالي. ويتدخل الأمر الحكومي عدد 2016-1104 المؤرخ في 04-07-2016 في المسائل المرتبطة بالمقابل المالي وإحالة أو رهن الديون. كما يهم الأمر الحكومي عدد 2016-782 المؤرخ في 20-06-2016 الحقوق العينية التي قد تثقل المنشآت والتجهيزات الثابتة المنجزة في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
تنبيه قانوني
لا يكفي وجود تمويل خاص أو مشاركة متعامل اقتصادي حتى يكون العقد داخلاً ضمن الشراكة بين القطاعين العام والخاص. فالتكييف القانوني يعتمد على طبيعة المشروع، مدة الالتزام، طريقة التمويل، توزيع المخاطر، ودور الشخص العمومي في الرقابة والمتابعة. وقد يكون المشروع، بحسب الحالة، صفقة عمومية أو لزمة أو عقد استثمار أو عقد شراكة، وهو ما يجعل مرحلة التحليل القانوني المسبق ضرورية قبل اختيار الصيغة التعاقدية
شركة المشروع والرقابة وتسوية النزاعات
تحتل شركة المشروع مكانة محورية في الشراكة بين القطاعين العام والخاص، لأنها تكون غالباً الأداة القانونية التي تتولى تنفيذ الالتزامات التعاقدية. ويجب تحديد غرضها، تركيبتها، صلاحياتها، شروط تغيير المساهمين فيها، ومسؤوليتها تجاه الشخص العمومي. كما ينبغي ضبط علاقة شركة المشروع بالممولين، المتعاقدين الفرعيين، والمستغلين عند وجودهم.
تطرح شركة المشروع في عقود الشراكة مسائل مرتبطة بالحوكمة، دخول المستثمرين، توزيع الصلاحيات وآليات اتخاذ القرار. وتمتد الرقابة إلى التقارير الدورية، الوثائق المالية، مؤشرات الأداء، جودة الخدمة، احترام الآجال واستمرارية المرفق العام. كما يحدد الأمر الرئاسي عدد 2022-451 المؤرخ في 06-05-2022 دور الهيئة العامة للشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص في الإسناد والمتابعة والمساندة والتدقيق واقتراح الإصلاحات.
تتطلب تسوية المنازعات في عقود الشراكة صياغة مسبقة تراعي التأخير، الإخلال، تغير القانون، وآثار إنهاء العلاقة التعاقدية. وتبرز الفصول 31 إلى 36 من القانون عدد 2015-49 أهمية الرقابة، التقارير، الفسخ، السقوط، واستمرارية المرفق العام عند نهاية العلاقة التعاقدية
تنبيه مهم: لا يعتبر كل مشروع مع طرف خاص عقد شراكة. فقد يكون المشروع صفقة عمومية أو لزمة أو عقد استثمار أو عقد استغلال، بحسب طبيعته ومصدر التمويل وطريقة تحمل المخاطر.
قراءة قانونية لعقود الشراكة في تونس
تحتاج الشراكة بين القطاعين العام والخاص إلى مقاربة قانونية تجمع بين القانون العام الاقتصادي، قانون الاستثمار، التمويل، المنافسة، العقود وتسوية النزاعات. ويساعد محام في تونس على تحليل عقود الشراكة من زاوية قانونية عملية، سواء تعلق الأمر بإعداد المشروع، مراجعة الوثائق، تقييم المخاطر، أو صياغة البنود التي تنظم العلاقة بين الشخص العمومي والشريك الخاص. وتبقى كل حالة مرتبطة بطبيعة المشروع، النصوص المنظمة له، والالتزامات المتفق عليها بين الأطراف.




