تقوم مشاريع البناء على تدخل عدة أطراف في الوقت نفسه، وقد يجمع المشروع بين صاحب المشروع، والمقاول، والمهندس المعماري، والمهندس، ومكتب الدراسات، ومكتب المراقبة الفنية، إضافة إلى مقاولين فرعيين وموردين. وعندما يظهر تأخير في الإنجاز أو عيب في المواد أو خطأ في التصميم أو خلل بعد استلام الأشغال، لا يمكن تحديد المسؤولية بمجرد معرفة من كان حاضراً في المشروع، بل يجب الرجوع إلى العقد، ونطاق مهمة كل متدخل، والوثائق الفنية، والمراسلات، ومحاضر الورشة والاستلام.
لذلك تطرح المسؤولية في عقود البناء في تونس مسألة عملية أساسية: من كان ملزماً بالتصميم أو التنفيذ أو المراقبة أو التنبيه إلى الخطر، وهل وقع الإخلال أثناء الأشغال أم ظهر بعد الاستلام؟ ويكتسي هذا التمييز أهمية خاصة لأن القواعد العامة للعقد لا تعمل دائماً بالطريقة نفسها التي يعمل بها النظام الخاص بالمسؤولية العشرية. كما أن مشاريع البنية التحتية الكبرى قد تتداخل فيها قواعد إضافية متصلة بالمشاريع العمومية أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
كيف تتحدد المسؤولية في عقود البناء في تونس منذ إبرام العقد؟
تبدأ المسؤولية في عقود البناء في تونس من تحديد طبيعة العلاقة التعاقدية وما التزم به كل طرف فعلياً. فمجلة الالتزامات والعقود التونسية تنظم إجارة الصنع وتتناول ضمن هذا الإطار عقود البناء، كما تضبط جملة من القواعد المتعلقة بالتأخير والمواد وعيوب التنفيذ والتعليمات الصادرة عن صاحب المشروع. ولا يكفي بالتالي وصف أحد الأطراف بأنه «مقاول» أو «مهندس» للوصول آلياً إلى نتيجة بشأن المسؤولية، لأن نطاق المهمة المتفق عليها هو العنصر الأول الذي يجب فحصه. وتبقى مجلة الالتزامات والعقود من المراجع القانونية المنشورة من قبل وزارة العدل التونسية.
عند إعداد العقد، ينبغي أن يكون واضحاً من يتولى إعداد الدراسات والتصاميم، ومن يختار المواد أو يزود بها، ومن يتحمل مسؤولية التنفيذ، ومن يتابع تقدم الأشغال، ومن يملك سلطة الموافقة على التعديلات. كما يجب ضبط الآجال وشروط تمديدها وكيفية توثيق التعليمات والتغييرات التي قد تطرأ أثناء التنفيذ. وهذا التحليل يدخل ضمن الإطار الأوسع لخدمات العقارات والبنية التحتية في تونس عندما يكون عقد البناء جزءاً من مشروع تطوير عقاري أو بنية تحتية أوسع. وتغطي هذه الصفحة بالفعل عقود المقاولات وأعمال الهندسة والإنشاء والضمانات المرتبطة بالمشروع، لذلك يبقى موضوع هذا المقال محصوراً في تحديد المسؤولية بين المتدخلين.
من يتحمل مسؤولية التنفيذ والتصميم والرقابة في مشروع البناء؟
لا تتحمل الأطراف المختلفة النوع نفسه من الالتزامات. فالمقاول يرتبط أساساً بتنفيذ الأشغال التي تدخل ضمن نطاق عقده وفق الشروط والمواصفات المتفق عليها، وقد تثار مسؤوليته عندما يرجع العيب إلى سوء التنفيذ، أو استعمال مواد غير مطابقة إذا كان مسؤولاً عن توفيرها، أو عدم احترام التزام كان يقع عليه. وفي المقابل، لا ينبغي تحميله آلياً تبعات خطأ تصميم لم يكن من اختصاصه، ما لم تتوافر عناصر أخرى، مثل علمه بخطر ظاهر وعدم التنبيه إليه عندما يكون التنبيه داخلاً في التزاماته.
أما المهندس المعماري أو المهندس أو مكتب الدراسات، فتتحدد مسؤوليتهم وفق المهمة المسندة إليهم: التصميم، الحساب، إعداد المخططات، الدراسة التقنية أو المتابعة عندما تدخل ضمن نطاق الاتفاق. ويجب هنا الفصل بين الخطأ في التصميم أو الحساب والخطأ في التنفيذ. فإذا كان الخلل ناشئاً عن معطيات تصميمية غير سليمة، يصبح من الضروري تحديد من أعدها ومن كان مكلفاً بمراجعتها، وما إذا كان المقاول قد تلقى تعليمات واضحة بالتنفيذ، وما إذا كان قد نبه إلى صعوبة أو خطر كان ظاهراً بالنسبة إلى اختصاصه.
ويمثل مكتب المراقبة الفنية حالة تحتاج إلى معالجة مستقلة، لأن وجوده في المشروع لا يعني أنه يحل محل المصمم أو المقاول. فالقانون عدد 9 لسنة 1994 المؤرخ في 31 جانفي 1994 و المتعلق بالمسؤولية والمراقبة الفنية في ميدان البناء يدرج المراقب الفني ضمن المتدخلين في النظام الذي يضبطه. كما يحدد الأمر عدد 416 لسنة 1995 مهام المراقب الفني، وقد تم تنقيحه وإتمامه بالأمر عدد 3219 لسنة 2010. وما تزال وزارة التجهيز والإسكان تدرج هذه النصوص ضمن التنظيم الجاري المتعلق بالتأمين العشري والمراقبة الفنية.
وتقوم مهمة المراقب الفني، في حدود النصوص والمهمة المسندة إليه، على المساهمة في الوقاية من المخاطر الفنية وإبداء الرأي في المسائل التقنية المتعلقة خصوصاً بصلابة المنشأة وسلامة الأشخاص. ويبين الأمر عدد 416 لسنة 1995 أيضاً أن المراقب الفني لا يعتبر وكيلاً عن صاحب المشروع ولا يملك، بهذه الصفة، إعطاء أوامر لبقية المتدخلين. لذلك لا يمكن اعتبار وجود مكتب المراقبة سبباً لنقل كل مسؤولية عن التصميم أو التنفيذ إليه.
ومن هنا فإن المسؤولية في عقود البناء في تونس تستوجب قراءة متوازية لعقد كل متدخل وللمهمة الفنية والقانونية التي قبل تنفيذها. وقد يكون الضرر الواحد مرتبطاً بأكثر من مصدر، مثل تصميم غير مناسب تزامن مع تنفيذ غير مطابق أو مراقبة لم تتناول العنصر محل النزاع بسبب حدود المهمة المتفق عليها.
وفي المشاريع ذات الطبيعة التقنية أو القطاعية، قد تضاف إلى عقد البناء التزامات مرتبطة بالتراخيص أو الربط أو الأداء الفني. ويظهر هذا التداخل بوضوح في عقود مشاريع الطاقة في تونس، حيث يرتبط تنفيذ المنشآت بالتزامات تنظيمية وتقنية وتمويلية إضافية. ويجب مع ذلك عدم الخلط بين المسؤولية الناشئة عن أعمال البناء والمسؤوليات الخاصة بالإطار التنظيمي للمشروع الطاقي.
المسؤولية في عقود البناء في تونس عن التأخير والمواد وأخطاء التصميم
تظهر المسؤولية في عقود البناء في تونس بصورة عملية عندما يقع تحديد الحدث الذي أدى إلى الإخلال. ففي حالة التأخير، لا يكفي إثبات أن تاريخ الإنجاز قد تجاوز الموعد المتوقع. يجب أولاً التحقق من الأجل التعاقدي، وما إذا كان قد تم تمديده، ومن الجهة التي تسببت في التأخير، وما إذا كانت هناك تعليمات جديدة أو تعديلات أو تأخر في الموافقات أو في تسليم المعطيات اللازمة للتنفيذ.
وقد يكون التأخير منسوباً إلى المقاول إذا لم يحترم برنامج الأشغال لسبب يقع تحت مسؤوليته، لكن الوضع يختلف عندما يكون التنفيذ متوقفاً على موافقة أو وثيقة أو عمل يجب أن يقوم به صاحب المشروع. كما يمكن أن تؤثر التعديلات أثناء المشروع في المدة الأصلية إذا ترتب عنها تغيير فعلي في حجم الأشغال أو ترتيب مراحل الإنجاز. ولهذا ينبغي ألا يقتصر العقد على تحديد تاريخ نهائي، بل يجب أن ينظم أيضاً طريقة طلب التمديد وتوثيق أسبابه وآثاره.
أما بالنسبة إلى المواد، فالمسألة تختلف بحسب من تولى توفيرها ومن كان مسؤولاً عن استعمالها. وتتعامل مجلة الالتزامات والعقود مع المواد التي يقدمها المقاول ومع تلك التي يوفرها صاحب المشروع ضمن تنظيم عقد الصنع. ويهم هذا التمييز عند ظهور عيب في المنشأة، لأن مصدر الخلل قد يكون في نوعية المادة نفسها، أو في طريقة استعمالها، أو في عدم ملاءمتها للأشغال المقصودة.
كيف تساعد صياغة العقد على توزيع المسؤوليات والحد من النزاع؟
أفضل طريقة للحد من النزاعات ليست محاولة إعفاء كل طرف من المسؤولية، بل تحديد الالتزامات بدقة قبل بدء الأشغال. يجب أن يوضح العقد نطاق العمل، والوثائق التي تشكل مرجعه، ومن يملك سلطة إصدار التعليمات، وكيف تتم الموافقة على التعديلات، ومن يتحمل آثارها على الكلفة والآجال. كما ينبغي تنظيم المواد والاختبارات والتقارير وآليات إشعار الطرف الآخر عند اكتشاف خطأ أو تعذر أو ظرف يمكن أن يؤثر في التنفيذ.
وتفيد الصياغة الواضحة أيضاً في ضبط مراحل الاستلام والتحفظات ومعالجة العيوب و الضمانات والتأمينات عند الاقتضاء. وكلما كان توزيع الأدوار أكثر دقة، أصبح من الأسهل عند النزاع تحديد ما إذا كان الإخلال ناشئاً عن التصميم أو التنفيذ أو المراقبة أو التأخر في قرار صادر عن صاحب المشروع. وهنا تتحول المسؤولية في عقود البناء في تونس من نقاش عام حول الطرف الذي يجب أن يتحمل الخطأ إلى تحليل قائم على التزام محدد ووثيقة محددة وواقعة محددة.
وفي مشاريع البنية التحتية التي تعتمد امتيازاً أو شراكة بين القطاعين العام والخاص، تتسع دائرة الالتزامات لتشمل مسائل التمويل والأداء طويل الأجل والعلاقة مع الجهة العمومية وتوزيع المخاطر على مستوى المشروع. ولهذا يجب عدم خلط هذه المسائل مع مسؤولية المقاول أو المهندس عن أعمال البناء نفسها. ويمكن الرجوع إلى خدمة الامتيازات والشراكات بين القطاعين العام والخاص في تونس بالنسبة إلى الإطار القانوني الأوسع لهذه المشاريع. وتخصص الصفحة هذه الخدمة لهيكلة مشاريع الامتياز وPPP وتوزيع المخاطر بين الجهة العمومية والشريك الخاص.
وفي مشاريع البنية التحتية القائمة على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، يرتبط توزيع المسؤوليات أيضاً بطبيعة الالتزامات المتعلقة بالأداء والتمويل والضمانات وتقاسم المخاطر بين الجهة العمومية والشريك الخاص، وهي مسائل تخضع لقواعد خاصة ضمن عقود الشراكة بين القطاعين في تونس. ويجب التمييز بين هذا التوزيع العام لمخاطر المشروع وبين المسؤولية المباشرة عن أخطاء التصميم أو التنفيذ أو المراقبة في أعمال البناء.
وعندما يتحول الخلاف إلى نزاع فعلي حول تنفيذ العقد أو المسؤولية أو التعويض، يصبح تحديد آلية تسويته جزءاً من إدارة المشروع. وقد يكون من المناسب، بحسب العقد والوقائع، التفاوض أو اللجوء إلى القضاء أو إلى التحكيم إذا كان هناك اتفاق صحيح على ذلك. وتغطي خدمة التقاضي التجاري وتسوية المنازعات في تونس النزاعات التعاقدية ودعاوى المسؤولية المدنية والتجارية ووسائل التسوية المناسبة لها.
في النهاية، لا تحدد المسؤولية في عقود البناء في تونس على أساس صفة أحد المتدخلين وحدها، بل من خلال الجمع بين العقد، والمهمة المسندة، والسبب الفني للخلل، وتوقيت ظهوره، والوثائق التي تثبت ما وقع أثناء التنفيذ والاستلام. وكل مشروع يمكن أن ينتج توزيعاً مختلفاً للمسؤوليات بحسب بنيته التعاقدية والوقائع الفنية المحيطة به. لذلك يستحسن تقييم العقد والملحقات والمخططات ومحاضر الاجتماعات والاستلام والتقارير الفنية كوحدة واحدة قبل تحديد الطرف الذي يمكن الرجوع عليه أو اختيار مسار النزاع المناسب.




